روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
127
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
وهو حكيم عدل لطيف ، والظلم تصرّف الباطل في ملك الغير ، والملك والمملكة لله - سبحانه وتعالى - فلا يكون تصرّفه في ملكه ظلما . وبيان ذلك أنه أمر بذبح البهائم . وذلك ايلام لها . ولم يتقدم منها جريمة من حيث أنّ ذبحها منفعة لعباده ، وعلم تعالى أنّ حكمته في ذلك أنّه يؤول إلى أنّ البهائم إذا أكلها الإنسان خرجت عن رتبة البهائم إلى رتبة الإنسان والإنسان أشرف الخلائق . وقد ذكرنا أنّ اللّه تعالى يفعل بعباده ما يشاء . ولا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده لأنّ عباده ملكه ومملكته متصرّف في ملكه كما يشاء . وقالت المعتزلة وجب عليه رعاية الأصلح لأنّه منهما قدر عليه ، ثمّ سلط عليهم العذاب لا يليق بعدله وحكمته . ونحن نقول إنّ حفظ رعاية الأصلح لا يكون إلا لطمع ثواب أو ثناء أو لخوف سوء العذاب بايجاب الله تعالى ، وهو منزّه عن مثل ذلك كما قال في كلامه المجيد : وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) [ الشمس : 15 ] . وافهم أنّ معرفة اللّه تعالى وطاعته واجبة على العباد بايجاب اللّه تعالى وشرعه بخلاف المعتزلة ، لأنّهم قالوا هي واجبة بالعقل ، وهذا محال ، لأنّ العقل لا يعرف حقيقة مراد اللّه تعالى ، لأنّ اللّه تعالى لو عاقب العباد بالطاعة والمعرفة كما عاقبهم بالمعصيّة والجهل ، لجاز منه لأنّه متصرّف في ملكه متفرّد في سلطانه ، ولأنّ العقل لو أوجب الطاعة والمعرفة لا يخلو ذلك من أمرين ، إمّا أن يكون لفائدة أو لغير فائدة . فإن كان لغير فائدة فذلك محال وإن كان لفائدة فلا يخلو تلك الفائدة من أن ترجع إلى اللّه تعالى ، وهو محال إذ هو منزّه عن الاحتياج وجرّ المنفعة ، أو أن ترجع إلى غرض العارف المطيع ، وهذا أيضا محال لأنّه لا يترك راحة في النقد لطمع راحة في النسبة مع جهله بالعواقب لأنّ المشيئة لله وحده ، ولا يعرف كيفيتها العقل . وبعثة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ليست بمستحيلة خلافا للبراهمة ، لأنّهم قالوا أنّ في العقل لمندوحة عنهم ، وهذا محال لأنّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أتوا من اللّه تعالى بالشرائع المختلفة في الأوامر والنواهي والتحكمات التي لا يعرف العقل حقيقتها . وإنّما يعرفها الأنبياء . ألا ترى في رمي الجمار أنّه ليس للعقل فيها مجالا ، ومثل ذلك كثير . ومثال العاقل كالصبي المنهوم المحموم الذي له اشتهاء التمر . ومثال النبي والرسول مثال الطبيب الحاذق الذي يعرف مضرة التمر في نفسه فيزجره عن أكله ، ولأنّ العقل لا يعرف أنّ صلاة المغرب لأيّ شيء يكون